الجاحظ
71
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
الجامعة محبة قلوب العباد ، والمستقبلة بك محبّة قلوب من لا تجري عليهم نعمك . فاجعلها عدّتك وسلاحك ، واجعل أمر اللّه ونهيه نصب عينيك . وأحذّرك ونفسي اللّه والاغترار به ، والإدهان في أمره ، والاستهانة بعزامه ، والأمن لمكره ، فقد رأيت آثاره في أهل ولايته وعداوته ، كيف جعلهم للماضين عبرة ، وللغابرين مثلا . واعلم أنّ خلقه كلّهم بريّته ، ولا وصلة بينه وبين أحد منهم إلّا بالطاعة ، فأولاهم به أكثرهم تزيّدا في طاعته ، وما خالف هذا فإنّه أمانيّ وغرور . وقد مكّن اللّه لك من أسباب المقدرة ، ومهّد لك في تمكين الغنى والبسطة ما لم تنحله بحيلة ، ولا بلغته بقوّة ، لولا فضله وطوله . ولكنّه مكّنك ليبلو خبرك ، ويختبر شكرك ، ويحصي سعيك ، ويكتب أثرك ، ثم يوفّيك أجرك ، ويأخذك بما اجترحت يدك أو يعفو ، فأهل العفو هو . وللّه ابتلاء ان في خلقه - والابتلاء هو الاختبار - ابتلاء بنعمة ، وابتلاء بمصيبة . وبقدر عظمها يجب التّكليف من اللّه عليها ، فبقدر ما خوّلك من النعمة يستأديك الشّكر . ولو تقصّى اللّه على خلقه لعذّبهم ، ولذلك قال : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ . ولكنّه قبل التّوبة ، وأقال العثرة ، وجعل بالحسنة أضعافها . واعلم أنّ الحكم في الآخرة هو الحكم في الدّنيا : ميزان قسط ، وحكم عدل . وقد قال اللّه تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ . وهذا مثل ضربه اللّه ، لأنّ الناس يعلمون أن لو وضع في إحدى كفّتي الميزان شيء ولم يك في الأخرى قليل ولا كثير ، لم يكن للوزن معنى يعقل . وذلك أن أحدا من الخلق لا يخلو من هفوة زلّة أو غفلة ، فأخبر أنّ من كان حسناته